من الصعوبات التي تواجه نقد الأدب بصفة عامة ، ونقد السرد بصفة خاصة ، هو عدم وجود حدود فاصلة قاطعة تحكم كل نوع أدبي منها ، أمام تمرد الإبداع الدائم وسعي الكتاب الدائب نحو التميز والتجديد . والقصة القصيرة علي وجه التحديد ، تسارع فيها محاولات التمرد وزالخروج علي الموروث منها ، خاصة من جيل الشباب المجبول علي الثورة ، ورفض المفروض [1] ، حتي وصلنا إلي ما سمي بـ ( ق ق ج ) أي القصة القصيرة جدا ، والتي اجتذبت عددا كبيرا للدخول فيها مظنة السهولة ، وإن كان الأمر لا يعدو إفلاس الموهبة ، وقصر الرؤية في مفهوم وغاية الأدب عامة .
ومن الكتاب الساعين نحو التميز والاصرار علي أن يكون لهم بصمة خاصة – وأزعم أن ذلك هو السبب الرئيسي في قلة الإنتاج – القاص فؤاد مرسي صاحب مجموعة قارب صغير بموتور والتي تقترب كثيرا مما سمي بالقصة القصيرة جدا ، مستفيد مما قد يكون أحد أسباب تواجدها ، دون أن تقع في مزالقها ومحاذيرها ، فظلت المجموعة محافظة علي كينونتها كقصة قصيرة . حيث تأتي قصص المجموعة شديدة القصر – من حيث المساحة الكتابية - باستثناء قصتين اثنتين فقط – إلا أن اللغة هنا – في مجموعة فؤاد مرسي - تختلف عن لغة ال ق ق ج في أن الأخيرة تعتمد علي التكثيف الشديد المعتمد علي إيحاء الكلمة وإقامة الاستعارة والمجاز كهدف من أهذافها . بينما القصة هنا تستخدم لغة عادية ، بل تصل للحميمية في الكثير منها ، حيث تعتمد الصورة لغة لها . لذا كان الوصف من العناصر الأساسية في المجموعة . حتي يمكن القول بأن الكاتب هنا حمل الكاميرا ودار بها في شوارع القاهرة ، ووسط تجمعات الناس ، راح يلتقط المناظر التي قد تبدو عشوائية ، إلا أنها مختارة بعناية لتعطي دلالات مستهدفة .
كما أن قصص المجموعة تحتوي الكثير من الوصف وتفصيلات سيأتي التعرض لها بعد قليل . وربما اتضح ذلك بصورة أكبر إذا ما حاولنا البحث عن مفاتيحها والدخول إلي دهاليزها .
***
تمثل القاهرة مساحة عمرانية حضرية تعج بمختلف الأصوات، حيث المحركات الدائرة، وصوت أبواق السيارات ومكبرات صوت أجهزة الاستريو التى تنطلق منها الموسيقى الشعبية الجديدة التى تبثها إذاعة إف إم والتى تتداخل مع صوت المؤذن الذى ينشر موجة (الله أكبر) خمس مرات فى اليوم فى كافة أرجاء المدينة وتبدأ المحال والأكشاك صباحها بشرائط تتلو آيات قرآنية وحين ينتهى يومها تكون قد انتقلت إلى الموسيقى الشعبية الشرقية بعد أن يكون يومها قد بدأ بداية هادئة .
بهذ الوصف المركز الجامع الذي بدأ به فؤاد مرسي قصته رآها .. بكي والتي وصل بإنسانها إلي البكاء الناتج عن العجز وقلة الحيلة ، والتي يصور بها ، لا القاهرة فحسب ، وإنما مصر كلها ، تلك التي بدأت في الصباح ، صباح عمرها ، بدأت هادئة ، ثم عم الصخب والضجيج ، إلا أنه لم يلغ تلك النغمة المتسربة الناشرة موجة ( الله أكبر ) وكأنها الصوت القادم من الأعماق يجاهد وسط الزحام ليسمع من قد يكون له بقية أذن تستمع . وكأن فؤاد مرسي بعد أن يكون قد أجهد قارئه ، وأحاطه بعلامة استفهام كبيرة متسائلة عما يريد قوله من وراء ما قال ، فأراد أن يضئ لمبة قد يهتدي بها قارئه للعودة والسير بين دهاليز عمله الشديد التجريد ، رغم النعومة ، الشديد الجهامة ، رغم البساطة ، الشديد التغريب رغم الحميمية ، ليعلن عن ذلك التقارب بينه وبين المبدع المتألق محمد إبراهيم طه في الكثير ، واختلافه أيضا في الكثير . فإذا كان كلاهما يعاني – في قصصه – الحنين إلي الماضي . فكلاهما – كذلك - يقيم دنيا مغلقة ويخفي مفاتيحها ، شحيح في الإرشاد عن هذه المفاتيح إلا لمن يبذل الجهد ويسعي للحصول عليها . إلا أن محمد إبراهيم طه يأتي بأدوات بنائه من طين الأرض ، من التجربة الحية . بينما فؤاد مرسي يحلق في الفضاء ، ويسعي للمطلق ، فلم تلامس قدماه الأرض ، إلا قليلا - . ولما كانت العلاقة بين الرجل والمرأة هي أساس الحياة ، لا من حيث إنشاء الذرية فقط ، وإنما أيضا من حيث ما يمكن أن تصطبغ به الحياة من جراء ماتضفيه علاقة بين طرفين ، فإما أن تتلون الحياة بألوان زاهية فتصطبغ الأشياء بلون الزهور ، وإما أن يكون العكس هو السبب والنتيجة في ذات الآن . ومن خلال هذه العلاقة في حالاتها تلك ، تتلون الرؤي في المجموعة ، لا من خلال تجارب حياتية معاشة ، وإنما من خلال الرؤية الشاملة المطلقة – كما سبق – . وذلك ما نسعي لتوضيحه .
الرؤية في المطلق
تبدأ المجموعة بافتتاحية مشهدية وجودية ، تضعنا منذ البداية في مشهد الموت والحياة ، وإن كان فؤاد قد عنونها مدخل غير ضروري إلا أننا نراه مدخل ضروري جدا ، فقد أصبح كالكشاف يحمله الداخل إلي المجموعة ، وبه يستضئ في عتمة النصوص التالية .
حيث نري رجلا – أي رجل – يحتضر ويعاني سكرات الموت ، وبينما الجميع ينتظر خروج الروح ، كان الإبن ( وحده ) يشاهد تنفسه . وكأن الإبن وحده يري الحياة من خلال الموت ، وكأنه من الماضي ينبثق المستقبل . لم يحدد الكاتب أي معالم لمن يكون هذا الرجل ، وليعلن من البداية أن هذه هي مسيرة المجموعة ، الحديث في المطلق ، حيث لا يقدم فؤاد مرسي تجربة بعينها في أي من قصص المجموعة ، وإنما وبقدرة تحسب له ، استطاع أن يوهمنا – مجرد وهم – بأن وراء القصص قد تكون هناك تجربة ما ، غير أننا سرعان ما نتبين أننا لا نستطيع تحديد ملامح معينة لأي من شخوص مجموعته . حتي في تلك القصص التي اقترب فيها من الواقع والمعنونة مقام من لا مقام له . ففي القصة الحاملة لعنوان المجموعة ، نتبين أسماء محددة ، خيري ، مسعود ، سمير ، ونشم رائحة بشرية تستنشق رائحة اليود ، غير أننا – أيضا – لا نستطيع تحديد من هو خيري ، ومن هو مسعود ، ومن هو سمير . ورغم ذلك من خلال حضور المكان الطاغي ، كأنه يؤكد واقعية الفعل في هذه القصة ( إن كان ثمة فعل ) ويتجلي ذلك في وصف المكان بكل التفاصيل التي تجعلك حاضرا فيه . وهذه القصة تحديدا أكثر القصص التي حظيت بمثل هذا الوصف للمكان ، الأمر الذي ساعد في اختيار عنوانها عنوانا للمجموعة ككل ، وما سنأتي لتوضيحه لاحقا . أما باقي قصص المجموعة فقد سعت نحو الرؤية الكلية للأشياء ، وكأنها تقدم صورة من أعلي لمشهد واقعي ، تماما كما في قصة الجهات – التي تقف مع قصة قارب صغير بموتور في الاقتراب من الجانب الواقعي ، والتي تعني بالتحديد لرؤية علوية للقاهرة ، سواء كانت الرؤية عرضية تقدم مشهد البيوت القديمة بنقوشها المحببة إلي نفسه والناس ، السائر منهم والجالس والمختلس لقبلة منتهزا فرصة الزحام ، نافذا منها إلي الرؤية الزمانية للمكان ، حيث تبرز المقارنة اللاإرادية التي بالضرورة تنشأ من جراء المنظر وتذكر عبد المطلب وهو (يئن ) في معاناة السير علي الأقدام يوميا لرؤية الحبيب ( ما بين السيدة وسيدنا الحسين ) .
ونظرة سريعة إلي قصص المجموعة ، دون الدخول في تفاصيل ، فما فيها من تفاصيل تروي ، نكتشف أننا أما قصص لا تحكي ، فلا خط درامي ظاهري بها – إلا أنها تحمل بذور الحركية فيها والتي ربما تصل للدراما في طياتها الداخلية ، المنتقلة من داخل المشهد
إلي داخل القارئ ، فتنقل له الإحساس بالحركة والديناميكية - ولكن نحن أمام مشهد يعطي في النهاية رؤية عامة .
علاقات المرأة علاقات الحياة
1 - في أولي قصص المجموعة هنا الآن نتبين ( واحدا ) يحادث أخري ، هو لا يعرفها علي وجه التحديد ، ويسعي لمقابلتها ، وتفشل المحاولة . حيث ينتقل إلي القارئ الصراع القائم داخل هذه الشخصية ما بين المحاول ( الوصول للمحبوبة ) وبين الفشل في اللالتقاء في نقطة معينة ، وتنتهي القصة بالفشل ، فالحركية والفعل ورد الفعل هنا كلها موجودة ، وتخلق قصة قصيرة . وفي ذات الوقت لا نستطيع الخروج منها بتجربة محددة ، وإنما هي رؤية كلية لسعي ( الإنسان ) نحو الطرف الآخر ، للسعي نحو الحب ، للسعي نحو التكامل ، للسعي نحو التواجد – علي إعتبار التواصل والتناسل هو التواجد ، وعلي إعتبار اللقاء هو التواجد وبدونه يكون العدم - . إلا أن هذه النظرة ليست هي الأولي والأخيرة في رؤية الكاتب – من خلال المجموعة – وإنما
























